كما تعلمون جميعًا، يواجه اقتصادنا الوطني تحديات كبيرة، وتعدُّ أزمة شح الدولار الأمريكي من أبرز تلك التحديات التي تؤثر بشكل مباشر على حياتنا اليومية، بالرغم من الإجراءات التي اتخذتها الحكومة والبنك المركزي العراقي.

في هذا المقال، سأتناول معكم أسباب الأزمة، وعواقبها الوخيمة، وأهم الخطوات المقترحة لحلها.

ما هي أسباب الأزمة؟

بكل بساطة، تتمثل أزمة الدولار الأمريكي في نقص كمية الدولارات المتاحة في السوق العراقية، وهذا الأمر ينجم عن عدة عوامل متداخلة، حيث يعتمد العراق بشكل كبير على استيراد السلع والخدمات من الخارج، الأمر الذي يتطلب دفع قيمة هذه الواردات بالدولار الأمريكي. وبالتوازي مع ذلك فإنّ الرواتب الشهرية للموظفين الحكوميين والعسكريين تعتمد أيضًا على توفر العملة المحليّة، ما يزيد من الطلب على الدولار.

 

إنّ من أهم هذه الأسباب ما يتمثّل بتهريب الأموال، حيث يُقدّر حجم الأموال المهربة إلى خارج العراق بمليارات الدولارات سنويًا، مما يساهم بشكل كبير في استنزاف الاحتياطيات الأجنبية للبلاد. ووفقًا لصحيفة وول ستريت جورنال، فإنّ الخزانة الأمريكية رفضت طلبًا رسميًا عراقيًا بتزويد العراق بعملات ورقية بقيمة مليار دولار أمريكي من أجل مواجهة الطلب على الدولار في السوق المحلية. ويُسوِّغ الجانب الأمريكي موقفه هذا بأنّ هناك أدلة على أنّ الدولار الأمريكي الممنوح ورقيًا للعراق يُهرَّب قسم منه إلى إيران وسورية وتركيا ودول أخرى، وبشكل يخرق أحيانًا العقوبات الأمريكية المفروضة على بعض البلدان، ويُوظَّف في التعاملات المشبوهة.

وبالإضافة إلى كل ما سبق، لا يمكننا أن نُغفل سببًا مهمًا يعمل على تعزيز الأزمة ألا وهو “المضاربة بالعملات الأجنبية” من قِبل الأفراد والمؤسسات، حيث تؤدي عمليات المضاربة هذه إلى إحداث تقلبات حادة في سعر صرف الدينار العراقي مقابل الدولار، وبالتالي زيادة الضغط على المساعي الرامية لحل الأزمة وإنعاش الاقتصاد العراقي.

 

ما هي العواقب؟

تتسبب أزمة الدولار في عواقب وخيمة على مختلف القطاعات في العراق، حيث يؤدي نقص الدولارات إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات المستوردة، ما يزيد من معاناة المواطنين ذوي الدخل المحدود. كما أنّ ضَعفُ قيمة الدينار العراقي مقابل الدولار يقلل من القوة الشرائية للمواطنين، ويؤثر سلبًا على الاستثمارات الأجنبية.

كذلك، فإنَّ تنفيذ الكثير من المشاريع التنموية يعتمدُ على توفر الدولارات، لذا فإن شحّها سيؤدي بالضرورة إلى تأخير أو إلغاء بعض المشاريع الحيوية، وكل هذا يعمل على زيادة انكماش النشاط الاقتصادي، ما يؤدي بالضرورة إلى زيادة معدلات البطالة في البلاد.

ما هي الحلول المقترحة؟

إن معالجة أزمة الدولار تتطلب اتخاذ إجراءات جريئة وحاسمة، حيث ينبغي على الحكومة العراقية العمل على تنويع مصادر الدخل الوطني، والاعتماد على صادرات السلع والخدمات غير النفطية، بالإضافة إلى تشجيع الاستثمارات الأجنبية، واتخاذ إجراءات صارمة للحد من تهريب الأموال والسيطرة على عمليات المضاربة بالعملات.

ولإحراز تقدّمٍ أكبر نحو حلّ هذه الأزمة، يحتاج النظام المصرفي العراقي إلى إجراءات إصلاحية بهدف زيادة كفاءة التعاملات المالية وتسهيل الحصول على العملات الأجنبية. كما يجب على الحكومة العراقية العمل على تحسين بيئة الاستثمار وتقديم الحوافز اللازمة لجذب الاستثمارات الأجنبية، بالتوازي مع العمل على تعزيز الشفافية في التعاملات المالية الحكومية ومحاربة الفساد المالي والإداري.

المسؤولية المشتركة

تعدُّ مواجهة أزمة الدولار مسؤولية مشتركة بين الحكومة والمواطنين، فعلى الحكومة اتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة الأسباب الجذرية للأزمة، أما المواطنون فيجب عليهم التعامل بمسؤولية والابتعاد عن المضاربة بالعملات والتهريب.

وبالمحصّلة، فإنّ الأزمة الحالية أيضًا تتطلّب من الحكومة- في المقام الأول- المضي نحو إصلاحات شاملة للنظامين المالي والمصرفي، بما يشمل إعادة تنظيم السوق المالية والتعاملات التجارية بشكلٍ يُسهِّل تتبع حركة الدولار وطرق استخدامه، بالتوازي مع الحد من الاستخدام الورقي واعتماد الأنظمة الإلكترونية في التعاملات التجارية في البلاد.

أمنية وتفاؤل

ختامًا، أود أن أتوجه إليكم بكلمة تفاؤل: أنا على ثقة بأننا قادرون على تجاوز هذه الأزمة بفضل الإرادة والعزيمة التي يتمتع بها الشعب العراقي، وعلينا العمل معًا من أجل بناء اقتصاد قوي ومستدام يحقق الازدهار لجميع أبناء وطننا الحبيب.

دمتم بخير!