في خضمِّ حديثنا المتكرّر عن التنمية الاقتصادية والنهوض بالبلد، يغيبُ عنّ الأذهان أحيانًا الحديثُ عن شريحةٍ مهمةٍ ساهمتْ في بناء هذا الوطن، قدّموا زهرة شبابهم وعطاءهم في سبيل رفعةِ رايته، هم المتقاعدون العراقيون الذين باتتْ معاناتهمْ صرخةً تنتظرُ صدىً يُصغي إليها ويُنصفُ أصحابها.

يُعدّ ملفُ المتقاعدين في العراقِ من الملفاتِ الشائكةِ التي تُثقلُ كاهلَ الدولةِ والمجتمعِ على حدٍّ سواءٍ في الآونة الأخيرة والتي تتزامن مع أزمة الدولار وما يتبعها من عواقب كغلاء المعيشة وارتفاع أسعارلسلع والخدمات والتي باتت حديث الصباح والمساء،  فبينما ينعمُ البعضُ بحياةٍ رغيدةٍ بعدَ التقاعدِ، يُعاني شريحةٌ واسعةٌ منَ المتقاعدينَ منَ الفقرِ والحرمانِ، ممّا يُشكّلُ ظلمًا فادحًا بحقِّ منْ أفنوا حياتهمْ في خدمةِ الوطنِ وادت إلى خلق فجوة كبيرة في المجتمع باتت واضحة في عدة مشاهد، كتظاهرَ شريحةٌ منَ المتقاعدينَ للمطالبةِ بإنصافهمْ وزيادةِ رواتبهمْ، وذلك بعدَ التسويفِ الحكوميِّ بتحسينِ ظروفهمْ المعيشيةِ. حيث عبّرَ المتظاهرونَ عنْ غضبهمْ منْ الإهمالِ المتعمّدِ منْ قبلِ الجهاتِ المعنيةِ، ورفضهمْ للوعودِ الكاذبةِ التي لمْ تُترجمْ إلى واقعٍ ملموسٍ.

يبلغُ عددُ المتقاعدينَ في العراقَ قرابةَ المليونِ وستمائةِ ألفِ شخصٍ، يرزحُ منهم حوالي 60% تحتَ خطِّ الفقرِ وفقًا لإحصائياتٍ حديثة. ومع تدنّي قيمة العملةِ العراقيةِ وارتفاعِ أسعارِ السلعِ الأساسية، باتتْ رواتبُ المتقاعدينَ التي تتراوحُ بينَ 500 ألفٍ و600 ألفِ دينارٍ عراقيٍّ لا تكفي لتلبيةِ احتياجاتِهمْ الأساسيةِ، فكيفَ الحالُ بتأمينِ علاجٍ أو توفيرِ سكنٍ كريمٍ لهمْ؟

لا تقتصرُ معاناةُ المتقاعدينَ على الجانبِ الماديِّ فحسب، بل تمتدُ لتطالَ صحةَ هؤلاءِ الأفرادَ الذين أفنوا حياتهمْ في خدمةِ الوطن. فهم يعانونَ منْ نقصٍ فادحٍ في الرعايةِ الصحيةِ المقدمةِ لهم، ويواجهونَ صعوبةً بالغةً في الحصولِ على الأدويةِ اللازمةِ بسببِ غلائها أو انقطاعها من الأسواق. يُضافُ إلى ذلك التعقيداتُ الإداريةُ والروتينيةُ التي يواجهونها في دوائرِ التقاعدِ لاستلامِ رواتبهمْ، ما يُضاعفُ منْ معاناتهمْ ويُثقلُ كاهلهمْ.

فقد شاهدنا المتقاعدينَ في العاصمةِ بغدادَ الذين خرجوا للمطالبةِ بحقوقهمْ المشروعةِ وتحسينِ ظروفِ معيشتهم وتعبيرا عنْ سخطهمْ تجاهَ وعودِ الحكومات المتكررةِ التي لمْ تُترجمْ إلى واقعٍ ملموسٍ، مُطالبينَ بزيادةِ رواتبهمْ ومنحهمْ أراضٍ سكنيةً وتوحيدَ سلمِ رواتبِ الموظفينَ، وإنهاءَ التمييزِ بينَ المتقاعدينَ القدامى والجدد.

ومما لا شكَّ أنّ معاناةَ المتقاعدينَ في العراقِ تُشكّلُ تحديًا كبيرًا يتطلبُ حلولًا مُبتكرةً وشاملةً. إلى جانبِ رفعِ رواتبهمْ وتحسينِ الخدماتِ المقدمةِ لهمْ، حيث يُمكنُ التفكيرُ في بعضِ الخطواتِ الإضافيةِ التي من شأنها أن تُساهمَ في التخفيفِ منْ معاناتهمْ، على سبيلِ المثال: تأسيسُ صندوقٍ يُموّلُ منْ جهاتٍ حكوميةٍ وخاصةٍ، ويتمُّ توجيهُ عائداتهِ لدعمِ المشاريعِ التي تُعنى بالمتقاعدينَ، مثل توفيرِ الرعايةِ الصحيةِ المجانيةِ أو المُخفضةِ التكلفة، أو تقديمِ برامجَ تدريبيةٍ تُمكّنهمْ منَ الاندماجِ في سوقِ العملِ من جديدٍ.

انّ التصدي لمعاناةِ المتقاعدينَ يتطلبُ تضافُرَ الجهودِ من كافةِ الجهاتِ المعنية. فالدولةُ مطالبةٌ بتحملِ مسؤولياتها التشريعيةِ والتنفيذيةِ تجاهَ هذه الشريحةِ المهمةِ من المجتمع، والمجتمعُ يُطالبُ بتقديمِ الدعمِ والمساندةِ لهمْ، والقطاعُ الخاصُ يُناطُ بهُ مسؤوليةُ المساهمةِ في إيجادِ حلولٍ تُخفّفُ منْ معاناتهمْ. فقد حان الوقت لننسَ شعاراتِ التقديرِ الفارغة، ونعملْ بجدٍّ وإخلاصٍ لإيجادِ حلولٍ تُخفّفُ معاناتهم، فبدعمٍ مشتركٍ منَ الحكومةِ والمجتمعِ والأفراد،  نستطيع العمل على بعض الاقتراحات التي من شأنها تحسين أوضاعهم. على سبيل المثال:

وعلى المستوى الحكومي:

  • زيادةُ رواتبِ التقاعدِ بشكلٍ يُوازي ارتفاعَ تكاليفِ المعيشة.
  • توفيرُ الرعايةِ الصحيةِ المجانيةِ أو المُخفضةِ التكلفةِ للمتقاعدين.
  • إطلاقُ برامجَ تدريبيةٍ تُمكّنُ المتقاعدينَ منَ الاندماجِ في سوقِ العملِ من جديد، لمن يرغبُ منهم بذلك.
  • تسهيلُ حصولِ المتقاعدينَ على السكنِ الملائمِ بأسعارٍ مُخفضة

أماعلى المستوى المجتمعي فهناك العديد من الاقتراحات التي من شأنها أن تعمل على تحسين أوضاعهم، منها:

  • تنظيمُ حملاتٍ توعويةٍ وتثقيفيةٍ تهدفُ إلى تعزيزِ قيمِ التكافلِ والتضامنِ المجتمعيِّ تجاهَ المتقاعدين.
  • إطلاقُ مبادراتٍ تطوعيةٍ تتيحُ للطلبةِ والمتطوعينَ تقديمَ دورات تعليم مجانية للمتقاعدينَ في مجالاتٍ مختلفةٍ، قد تُسهم في تعزيز الوضع الاقتصادي للبعض و توفير فرص عمل ومصدر دخل أخر.

وفي الختام، لا بدَّ من التأكيدِ على أنّ إنصافَ المتقاعدينَ ليسَ مطلب ترفًا، بل هو واجبٌ وطنيٌّ وإنسانيٌّ لا يُمكنُ التغاضي عنه. تقديراً لما قدّموه للوطنِ، وأقلَّ ما يمكن أنْ نُوفّرهَ لهمْ حياةً كريمةً تُليقُ بما قدموه. وكلُّ خطوةٍ إيجابيةٍ، مهما كانت صغيرةً، تُساهمُ في بناءِ مستقبلٍ أفضلَ للمتقاعدينَ العراقيين.

دُمتم بخير.