في ظل التغيرات السريعة التي يشهدها العالم، والزيادة المُضطردة في الطلب على الطاقة، ظهرت حاجة مُلِحة إلى تنويع مصادر الطاقة لضمان مُستقبل مُستدام ومُزدهر، حيث تحتل الدول المُنتِجة للوقود الأحفوري مثل النفط والغاز مكانة هامة في إنتاج الطاقة على مستوى العالم، وتملك بين أيديها فرصة ذهبية لتعزيز دورها الريادي من خلال الانخراط في ميدان الطاقة المتجددة.

ويُعتبر الاستثمار في مصادر الطاقة المتجددة خطوة استراتيجية للدول التي تعتمد اقتصاداتها على إنتاج وتصدير النفط والغاز، ومن خلال هذا الاستثمار في هذا القطاع الحيوي، يمكن أن تتحول  من دول منتجة ومصدرة للنفط والغاز إلى لاعب رئيسي في مجال الطاقة المُستدامة، مما يُساهم في تطوير محفظة مُتوازنة من مصادر الطاقة المتجددة إلى جانب المصادر الهيدروكربونية في تحقيق أمان الطاقة والذي يؤدي إلى تعزيز الوضع الاقتصادي وتطوير مصادر رأس المال، خاصةً في ظل الجهود الدولية للحد من انبعاثات الكربون، حيث يُسهم الاعتماد على مصادر الطاقة المُتجددة في تنويع الاقتصاد وتطوير رأس المال البشري، لجعله مستداماً ومستنداً إلى المعرفة.

وبالرغم من أن الوقود الأحفوري ما زال يحتفظ بمكانته كمصدر أول للطاقة، إلا أنه يجب الاتجاه نحو الاستثمار في الطاقة المتجددة كإجراء ضروري يمكننا من الاستعداد للمستقبل، حيث أن الارتفاع المستمر في عدد سكان العالم يتنبأ بزيادة الطلب على الوقود الأحفوري، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعاره. لذلك، يُعد تنويع مصادر الطاقة وأهمها المتجددة حلاً للحفاظ على المصادر الهيدروكربونية ومحاولة تأخير نفاذها لفترة أطول، مع الاستفادة من الارتفاع المتوقع على أسعارها.

ومن أجل ضمان إمدادات مستدامة من الطاقة، يتعين على الحكومة العراقية والجهات المعنية عدم الاعتماد كلياً على مصدر واحد للطاقة، بالإضافة إلى ترشيد الاستهلاك من خلال تحسين فعالية استخدام الطاقة. وبالرغم من وفرة الموارد الهيدروكربونية، إلا أن يجب أن لا نتغاضى عن التحديات والفرص المستقبلية، حيث أنه يتوفر مصدر رائع للطاقة من أشعة الشمس، الذي يمكننا الاستفادة منه لتوليد طاقة نظيفة، حيث أن استخدام الطاقة الشمسية وغيرها من المصادر التي أنعم الله علينا بها سيُساعد في الحفاظ على المصادر التقليدية واستخدامها لأغراض أخرى. خصوصاً أن هنا بعض الدراسات التي  تشير إلى أن مردود الاستثمار في الطاقة الشمسية قد يفوق أحياناً ضعف المردود الذي يمكن الحصول عليه من مصادر الطاقة الأحفورية.

 

إضافة لما تقدم، سيؤدي التوسع في استخدام الطاقة الشمسية إلى تقليل التكاليف التشغيلية والإنتاجية للمشاريع التي تعتمد على استخدام الطاقة، مما يسهم في تحقيق توفير مستدام في استهلاك الطاقة وتقليل التكاليف، بالإضافة إلى كونها صديقة للبيئة، حيث بدأت تحظى مشاريع الطاقة المتجددة برعاية عالمية متزايدة نظراً للفوائد البيئية والاقتصادية الملحوظة التي تقدمها.

إن العديد من الحكومات أصبحت تلعب دوراً كبيراً في دعم قطاع الطاقة المتجددة في العقد الأخير من خلال وضع سياسات فعّالة وأُطُر تنظيمية وآليات تحفيزية لتطوير ونشر حلول الطاقة المتجددة، فبدأت الحكومات والجهات المسؤولة في جميع أنحاء العالم تضع السياسات الضرورية لتعزيز نمو قطاع الطاقة المتجددة، مما يعكس التزامها بجعل الطاقة المتجددة في مقدمة أجنداتها وأولوياتها.

فيما يتعلق بالعراق، فمن المعروف بأنه يستورد ثلث حاجته من الكهرباء، ويعتمد على الوقود الأحفوري لإنتاج 98% من حاجة مواطنيه من الطاقة. ولذا فإنه إذا أردنا تفسير العجز الكهربائي، فلا بد من إنتاج 32 ألف ميغاواط على الأقل.

إلا أن الصورة ليست قاتمة تماماً، حيث أجريت العديد من الأبحاث من قبل بعض المعاهد العالمية ومنها روكيفيلير فاونديشن التي رشحت العراق كأفضل بقعة في العالم لإقامة المزارع الشمسية، وقال أحد المسؤولين بها بأن: “أسوأ موقع للطاقة الشمسية في العراق لديه موارد تفوق أفضل موقع مماثل في ألمانيا بواقع الضعفين”.

لضمان النجاح في تطوير قطاع الطاقة المتجددة في الدول المنتجة للنفط والغاز، يتعين على هذه الدول ومنها العراق اتخاذ خطط وآليات مماثلة للتشجيع على استخدام مصادر الطاقة المتجددة، مما يساعد تلك الدول في المنافسة في قطاع الطاقة المتجددة وتقليل التكاليف وتطوير الطاقة النظيفة.

وقد رأينا العديد من المحاولات التي قامت بها الحكومة العراقية في السنوات الأخيرة، لتطوير قطاع إنتاج الطاقة النظيفة، من خلال الإعلان عن العديد من المشروعات في هذا المجال لإنتاج ثلث احتياجات العراق من الطاقة، ولا تزال هذه المحاولات قيد العمل الحثيث والمتواصل لإنجاح المساعي، التي نتفائل بنجاحها في القريب العاجل بإذن الله.

 

يجب الأخذ بعين الاعتبار أن الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة سيُعودُ علينا بفوائد اقتصادية طويلة المدى. وبما أن إنتاج النفط والغاز يشكل عماد اقتصاد العديد من الدول وجزءاً أساسياً من ناتجها المحلي الإجمالي، وهو ما يتطلب منها بذل الجهود لوضع خطط استراتيجية فعالة في تبني حلول االطاقة المتجددة للحفاظ على مكانتها الريادية في قطاع الطاقة على مستوى عالمي. ومع استمرار إنتاج وتصدير الطاقة، يجب علينا أن نتعامل بجدية مع التحديات المتزايدة لفرض قيود على انبعاثات الكربون، والتركيز على زيادة الخبرات في كيفية تحقيق الاستفادة القصوى من الطاقة المتجددة.

وعلى الرغم من أن الوقود الأحفوري سيظل جزءًا هامًا من مزيج الطاقة، إلا أن قطاع الطاقة المتجددة يشهد نموًا سريعًا يجب علينا الاستفادة منه بشكل كامل من خلال الاستثمار في مختلف مجالاته لضمان استدامة وازدهار الاقتصاد الوطني.

دمتم بخير.